فوركس
+100 الأصول
محتوى المحتوى
منذ شهرين
قراءة لمدة 3 دقائق
بقلم Greenup24
في الأشهر الأخيرة، تميزت الأسواق المالية العالمية بكلمة واحدة: عدم اليقين. والآن، ومع تصاعد الصراع في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط، تبرز مخاوف جديدة لدى الاقتصاديين والمستثمرين على حد سواء — وهي الاحتمالية المقلقة لعودة الركود التضخمي.
يعتبر الركود التضخمي، وهو مزيج خطير يجمع بين التضخم المرتفع والنمو الاقتصادي البطيء والمتباطئ، أحد أكثر الفترات الاقتصادية إيلاماً وقسوة في القرن العشرين. فقد دفعت صدمات النفط في فترة السبعينيات الاقتصادات الكبرى إلى دوامة من ارتفاع الأسعار، وضعف النمو، ومعضلات السياسة النقدية التي استمرت لسنوات طويلة.
واليوم، يعتقد بعض المحللين أن الاقتصاد العالمي قد يكون في طريقه مجدداً للاصطدام بظروف مشابهة.
التوترات في منطقة الشرق الأوسط ليست بالأمر الجديد؛ ومع ذلك، فإن ما يتكشف الآن يشبه شيئاً أكثر خطورة بمراحل — صراعاً إقليمياً واسع النطاق.
فبعد عقود من المفاوضات الفاشلة والمستمرة حول برنامج إيران النووي، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية منسقة استهدفت تفكيك البنية التحتية النووية الإيرانية. ودخل الصراع الآن يومه العاشر مع استمرار التصعيد، مما تسبب في موجات تقلب حادة عبر الأسواق العالمية.
ونتيجة لذلك، قفزت أسعار النفط، وتدهورت شهية المخاطرة (Risk Sentiment)، وبدأ المستثمرون بشكل متزايد في تسعير عدم الاستقرار الجيوسياسي في الأصول المالية.
لكن جذور هذه الأزمة الحالية تمتد إلى مسافة أبعد في وقت سابق من هذا العام.
بدأت سلسلة ردود الفعل الجيوسياسية في وقت سابق من العام، عندما أعلنت الولايات المتحدة عن عملية عسكرية في فنزويلا أسفرت عن اعتقال الرئيس السابق نيكولاس مادورو وترتيب سياسي مع القيادة الجديدة للبلاد.
وعقب هذه العملية، تم فتح قطاع النفط الفنزويلي أمام شركات الطاقة الأمريكية. كما تولت الحكومة الأمريكية دوراً في الإشراف على صادرات النفط الخام، حيث بلغت قيمة المبيعات الأولية حوالي 500 مليون دولار، تم الاحتفاظ بها في حسابات خاضعة للسيطرة الأمريكية الكاملة.
وقد فُسرت هذه التطورات على نطاق واسع بأنها جزء من جهد أكبر تبذله واشنطن لتعزيز نفوذها وهيمنتها على إمدادات الطاقة العالمية.
لقد أصبحت السيطرة على الطاقة أداة جيوسياسية رئيسية، لا سيما في ظل اشتداد التنافس الاستراتيجي مع الصين؛ إذ إن التحكم في إنتاج النفط، وموارد العناصر الأرضية النادرة، وسلاسل توريد الطاقة بات يشكل ديناميكيات القوة العالمية بشكل مباشر.
وحتى المبادرات الدبلوماسية المحيطة بأوكرانيا أو النقاشات الدائرة حول الاستحواذ على مناطق استراتيجية غنية بالموارد الطبيعية، أصبحت تُحلل الآن ضمن هذا الإطار الجيوسياسي الأوسع.
تترجم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المناطق المنتجة للطاقة دائماً تقريباً إلى ارتفاع في أسعار النفط. وتاريخياً، تعمل صدمات النفط بمثابة ضريبة ثقيلة تُفرض على الاقتصاد العالمي.
فعندما ترتفع أسعار الطاقة:
وإذا استمرت هذه الضغوط بالتزامن مع تباطؤ النمو الاقتصادي، تكون النتيجة هي الركود التضخمي — وهو الوضع المعقد الذي تجد البنوك المركزية صعوبة بالغة في إدارته وتجاوزه.
وعلى عكس حالات الركود التقليدية، يخلق الركود التضخمي معضلة حادة في السياسة النقدية: رفع أسعار الفائدة قد يسيطر على التضخم ولكنه سيزيد من إضعاف النمو، بينما خفض الفائدة يخاطر بتفاقم التضخم وجعله خارج السيطرة.
قد تضطر البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول لكبح جماح التضخم، حتى مع تباطؤ النشاط الاقتصادي وتراجع الإنتاج.
ارتفعت أسواق الأسهم بقوة في السنوات الأخيرة مدفوعة جزئياً بتوقعات خفض تكاليف الاقتراض؛ وبالتالي، فإن التضخم المستمر قد يقوض هذه السردية بالكامل ويطلق شرارة تصحيحات وهبوط حاد في الأسواق.
قد يطالب المستثمرون بعوائد أعلى للتعويض عن مخاطر التضخم المتزايدة، مما يدفع عوائد السندات الحكومية (Government Bond Yields) نحو الارتفاع بشكل ملحوظ.
تؤدي تكاليف الطاقة المرتفعة إلى تقليص الدخل المتاح للإنفاق وهوامش أرباح الشركات، مما قد يضعف إنفاق المستهلكين ويؤثر سلباً في نهاية المطاف على أسواق التوظيف والعمالة.
بالنسبة لصناع السياسة في واشنطن، وتحديداً إدارة ترامب، فإن السيناريو الاقتصادي المفصل واضح ومحدد:
لكن استمرار الصراع لفترة طويلة وبقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة قد يؤدي إلى زعزعة هذا التوازن بالكامل وتدميره.
وما يزيد من حجم الضغوط هو استمرار الدين الوطني الأمريكي في الارتفاع، بالتزامن مع ظهور مخاوف متعددة في الأشهر الأخيرة بشأن التمويل الحكومي والاستدامة المالية (Fiscal Sustainability).
إن الدخول في دورة ركود تضخمي كاملة ليس حتمياً بعد؛ ومع ذلك، فإن الخوف والقلق بمفردهما كفيلان بتحريك الأسواق وهز استقرارها.
وسيكون العامل الحاسم في الفترة القادمة هو مدة استمرار الصراع الإيراني ومسار أسعار النفط؛ فكلما طال أمد الصراع واستمر صعود أسعار الطاقة، زادت مخاطر تحول الصدمة النفطية الحالية إلى دورة ركود تضخمي واسعة النطاق.
ومثل هذا السيناريو، في حال حدوثه، سيمثل أول عودة كبرى لضغوط الركود التضخمي منذ أواخر السبعينيات.
يبدو أن الاقتصاد العالمي يدخل حقبة تتشابك فيها الجيوسياسية، أسواق الطاقة، والاقتصاد الكلي (Macroeconomics) بشكل عميق ومعقد.
فالصراع في الشرق الأوسط ليس مجرد أزمة إقليمية عابرة؛ بل قد يمثل نقطة تحول حاسمة للاستقرار الاقتصادي العالمي بأكمله.
وقد أثبت التاريخ مراراً وتكراراً أن صدمات الطاقة نادراً ما تظل محصورة داخل قطاع الطاقة وحده — بل إنها تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي بالكامل.